الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

272

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمراد بالفسق هنا : الكفر ، كما قال في شأنهم في آية الأعراف [ 145 ] سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ . [ 55 ، 56 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 55 إلى 56 ] فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ( 55 ) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ ( 56 ) عقب ما مضى من القصة بالمقصود وهو هذه الأمور الثلاثة المترتبة المتفرع بعضها على بعض وهي : الانتقام ، فالإغراق ، فالاعتبار بهم في الأمم بعدهم . والأسف : الغضب المشوب بحزن وكدر ، وأطلق على صنيع فرعون وقومه فعل آسَفُونا لأنه فعل يترتب عليه انتقام اللّه منهم انتقاما كانتقام الآسف لأنهم عصوا رسوله وصمّموا على شركهم بعد ظهور آيات الصدق لموسى عليه السلام . فاستعير آسَفُونا لمعنى عصونا للمشابهة ، والمعنى : فلما عصونا عصيان العبد ربّه المنعم عليه بكفران النعمة ، واللّه يستحيل عليه أن يتصف بالآسف كما يستحيل عليه أن يتصف بالغضب على الحقيقة ، فيؤول المعنى إلى أن اللّه عاملهم كما يعامل السيد المأسوف عبدا آسفه فلم يترك لرحمة سيده مسلكا . وفعل أسف قاصر فعدّي إلى المفعول بالهمزة . وفي قوله : فَلَمَّا آسَفُونا إيجاز لأن كونهم مؤسفين لم يتقدم له ذكر حتى يبنى أنه كان سببا للانتقام منهم فدلّ إناطة أداة التوقيت به على أنه قد حصل ، والتقدير : فآسفونا فلما آسفونا انتقمنا منهم . والانتقام تقدم معناه قريبا عند قوله تعالى : فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ [ الزخرف : 41 ] . وإنما عطف فَأَغْرَقْناهُمْ بالفاء على انْتَقَمْنا مِنْهُمْ مع أن إغراقهم هو عين الانتقام منهم ، إمّا لأن فعل انْتَقَمْنا مؤوّل بقدّرنا الانتقام منهم فيكون عطف فَأَغْرَقْناهُمْ بالفاء كالعطف في قوله : أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] ، وإما أن تجعل الفاء زائدة لتأكيد تسبب آسَفُونا في الإغراق ، وأصل التركيب : انتقمنا منهم فأغرقناهم ، على أن جملة فَأَغْرَقْناهُمْ مبينة لجملة انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فزيدت الفاء لتأكيد معنى التبيين ، وإما أن تجعل الفاء عاطفة جملة انْتَقَمْنا على جملة فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ [ الزخرف : 54 ] فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ وتكون جملة انْتَقَمْنا معترضة بين الجملة المفرعة والمفرعة عنها ، وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى : فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي